أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
50
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَمَنِ اتَّبَعَنِ في محلّ « مَنِ » أوجه : أحدها : الرفع عطفا على التاء في « أَسْلَمْتُ » ، وجاز ذلك لوجود الفصل بالمفعول ، قاله الزمخشري وبه بدأ ، وكذلك ابن عطية . قال الشيخ « 1 » : « ولا يمكن حمله على ظاهره ؛ لأنه إذا عطف على الضمير في نحو : « أكلت رغيفا وزيد » لزم من ذلك أن يكونا شريكين في أكل الرغيف ، وهنا لا يسوغ « فيه » ذلك لأنّ المعنى ليس على : أسلموا هم وهو صلّى اللّه عليه وسلّم وجهه للّه ، بل المعنى على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أسلم وجهه للّه ، وهم أسلموا وجوههم للّه ، فالذي يقوى في الإعراب أنه معطوف على الضمير محذوف منه المفعول ، لا مشارك في مفعول « أَسْلَمْتُ » والتقدير ؛ « ومن اتّبعني وجهه أو أنه مبتدأ محذوف الخبر ، لدلالة المعنى عليه ، والتقدير : ومن اتّبعني كذلك أي : أسلموا وجوههم للّه ، كما تقول : « قضى زيد نحبه وعمرو » أي : وعمرو كذلك ، أي : قضى نحبه » . قلت : إنّما صحّ في نحو : « أكلت رغيفا وزيد » المشاركة لإمكان ذلك ، وأمّا نحو الآية الكريمة فلا يتوهّم أحد فيه المشاركة . الثاني : أنه مرفوع بالابتداء والخبر محذوف كما تقدّم تقريره : الثالث : أنه منصوب على المعيّة ، والواو بمعنى مع ، أي : أسلمت وجهي للّه مع من اتّبعني ، قاله الزمخشري أيضا . قال الشيخ « 2 » : « ومن الجهة التي امتنع عطف « وَمَنِ » على الضمير إذا حمل الكلام على ظاهره دون تأويل يمتنع كون « مَنِ » منصوبا على أنه مفعول معه ، لأنك إذا قلت : « أكلت رغيفا وعمرا » أي : مع عمرو دلّ ذلك على أنه مشارك لك في أكل الرغيف ، وقد أجاز الزمخشري هذا الوجه ، وهو لا يجوز لما ذكرنا على كلّ حال ؛ لأنه لا يجوز حذف المفعول مع كون الواو واو « مع » البتة » . قلت : فهم المعنى وعدم الإلباس يسوّغ ما ذكره الزمخشري ، وأيّ مانع من أنّ المعنى : فقل : أسلمت وجهي للّه مصاحبا لمن أسلم وجهه للّه أيضا ، وهذا معنى صحيح مع القول بالمعية . الرابع : أنّ محلّ « مَنِ » الخفض نسقا على اسم اللّه تبارك وتعالى ، وهذا الإعراب وإن كان ظاهره مشكلا ، فقد يؤوّل على معنى : جعلت مقصدي للّه بالإيمان به والطاعة ولمن اتّبعني بالحفظ له ، والتخفّي بعلمه وبرأيه بصحبته . وقد أثبت الياء في « اتّبعني » نافع وأبو عمرو وصلا وحذفاها وقفا ، والباقون حذفوها فيهما موافقة للرسم ، وحسّن ذلك أيضا كونها فاصلة ورأس آية نحو : « أَكْرَمَنِ و أَهانَنِ » « 3 » وعليه قول الأعشى : 1212 - وهل يمنعني ارتيادي البلا * د من حذر الموت أن يأتين « 4 » وقال الأعشى أيضا :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 412 . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) سورة الفجر ، الآيتان ( 15 - 16 ) . ( 4 ) انظر البيت في ديوانه ( 190 ) الكتاب 2 / 151 ، المحتسب 1 / 349 ، ابن يعيش 9 / 40 - 86 ، العيني 4 / 324 ، الهمع 2 / 78 ، الدرر 2 / 96 . الارتياد : المجيء والذهاب أي لا يمنع التجول في آفاق الأرض من الموت حذرا ، ولا الإقامة في الديار تقربه قبل وقته ، فاستعمال السفر أجمل ما دام الأجل واحدا . استشهد النحاة بهذا البيت بقوله « يمنعني » حيث أكدها بالنون الثقيلة بعد الاستفهام لأنه غير واجب كالأمر فيؤكد كما يؤكد الأمر .